الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

514

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

يعلمه بهذا إلا بعد هذا . وقال آخر : إنما قاله - صلى اللّه عليه وسلم - عن طريق التواضع ونفى التكبر والعجب . قال القاضي عياض : وهذا لا يسلم من الاعتراض . وقيل : لا يفضل بينهم تفضيلا يؤدى إلى تنقيص بعضهم أو الغض منه . وقيل : منع التفضيل في حق النبوة والرسالة ، فإن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فيها على حد واحد ، لا يتفاضل . وإنما التفاضل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والرتب ، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل ، وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها ، ولذلك منهم رسل وأولو عزم ، انتهى ، وهذا قريب من القول الثاني . وقال ابن أبي جمرة في حديث يونس : يريد بذلك نفى التكييف والتحديد على ما قاله ابن خطيب الري ، لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما في عالم الحس ، لأن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أسرى به إلى فوق السبع الطباق ، ويونس نزل به إلى قعر البحر ، وقد قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « أنا سيد ولد آدم يوم القيامة » وقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « آدم ومن دونه تحت لوائي » وقد اختص - صلى اللّه عليه وسلم - بالشفاعة الكبرى التي لم تكن لغيره من الأنبياء - عليهم السلام - . فهذه الفضيلة وجدت بالضرورة ، فلم يبق أن يكون قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا تفضلوني على يونس بن متى » إلا بالنسبة إلى القرب من اللّه سبحانه وتعالى والبعد ، فمحمد - صلوات اللّه وسلامه عليه - وإن أسرى به لفوق السبع الطباق واخترق الحجب ، ويونس - عليه الصلاة والسلام - وإن نزل به لقعر البحر فهما بالنسبة إلى القرب والبعد من اللّه سبحانه وتعالى على حد واحد . انتهى . وهو مروى عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس وعزى نحوه لإمام الحرمين . وقال ابن المنير : إن قلت إن لم يفضل على يونس باعتبار استواء الجهتين بالنسبة إلى وجود الحق تعالى ، فقد فضله باعتبار تفاوت الجهتين في تفضيل الحق فإنه تعالى فضل الملأ الأعلى على الحضيض الأدنى ، فكيف لا يفضله - عليه الصلاة والسلام - على يونس ، فإن لم يكن التفضيل بالمكان فهو بالمكانة بلا إشكال . ثم قال : قلت لم ينه عن مطلق التفضيل ، وإنما نهى عن تفضيل